الحلبي
417
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لعبد اللّه بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فأخذ بمنكبيه ودفع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » الحديث ، ولعل أشدية ذلك باعتبار ما بلغ عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما أو ما رآه . وعنه رضي اللّه تعالى عنه قال : « ما رأيت قريشا أصابت من عداوة أحد ما أصابت من عداوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولقد حضرتهم يوما وقد اجتمع ساداتهم وكبراؤهم في الحجر ، فذكروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : ما صبرنا لأمر كصبرنا لأمر هذا الرجل قط ولقد سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأقبل يمشي ، حتى استلم الركن ثم مرّ طائفا بالبيت ، فلما مر بهم لمزوه ببعض القول فعرفنا ذلك في وجهه ثم مر بهم الثانية فلمزوه بمثلها فعرفنا ذلك في وجهه ، ثم مر بهم الثالثة فلمزوه ، فوقف عليهم وقال : أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح ، فارتعبوا لكلمته صلى اللّه عليه وسلم تلك ، وما بقي رجل منهم إلا كأنما على رأسه طائر واقع ، فصاروا يقولون ، يا أبا القاسم انصرف ، فو اللّه ما كنت جهولا ، فانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما كان الغد اجتمعوا في الحجر ، وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منك وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه ، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتواثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به وهم يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا . يعني عيب آلهتهم ودينهم - فقال نعم : أنا الذي أقول ذلك ، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه عليه الصلاة والسلام ، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه ، فأطلقه الرجل ووقعت الهيبة في قلوبهم فانصرفوا عنه » فذلك أشد ما رأيتهم نالوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وفي رواية « ألست تقول في آلهتنا كذا وكذا ؟ قال بلى ، فتشبثوا به بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر ، فقيل له أدرك صاحبك ، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد فوجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والناس مجتمعون عليه ، فقال : ويلكم ، أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، فكفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأقبلوا على أبي بكر يضربونه ، قالت بنته أسماء : فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا أجابه وهو يقول : تباركت يا ذا الجلال والإكرام » . وجاء « أنهم جذبوا رأسه صلى اللّه عليه وسلم ولحيته حتى سقط أكثر شعره ، فقام أبو بكر دونه وهو يقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه : أي وهو يبكي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : دعهم يا أبا بكر ، فوالذي نفسي بيده إني بعثت إليهم بالذبح ففرجوا عنه صلى اللّه عليه وسلم » .